أبو نصر الفارابي

84

الجمع بين رأيي الحكيمين

وان ارسطوطاليس جرى على مثل ما جرى عليه أفلاطون في أقاويله « ورسائله السياسية » . ثم لما رجع إلى امر نفسه خاصّة ، أحس منها بقوة ورحب ذراع وسعة صدر وتوسع « 32 » اخلاق وكمال أمكنه معها تقويمها ، والتفرّغ للتعاون ، والاستمتاع بكثير من الأسباب المدنية . فمن تأمل هذه الأحوال ، علم أنه لم يكن ، بين الرأيين والاعتقادين ، خلاف . وان التباين الواقع لهما كان سببه نقص في القوى الطبيعية في أحدهما ، وزيادة فيها في الآخر ، فلا غير ؛ على حسب ما لا يخلو منه كل الاثنين من اشخاص الناس ، إذ الأكثرون قد يعلمون ما هو آثر وأصوب وأولى ؛ غير أنهم لا يطيقونه ، ولا يقدرون عليه ؛ وربما اطاقوا البعض وعجزوا عن البعض . ثانيا - طريقة أفلاطون في تدوين الكتب وطريقة أرسطو ومن ذلك أيضا ، تباين مذهبهما في تدوين العلوم ، وتأليف الكتب . وذلك ان أفلاطون كان يمنع ، في قديم الأيام ، عن تدوين العلوم وايداع بطون الكتب دون الصدور الزكية والعقول المرضية . فلما خشي على نفسه الغفلة والنسيان ، وذهاب « 33 » ما يستنبطه ، وتعسّر « 34 » وقوفه عليه ، حيث استغزر « 35 » علمه وحكمته ، وتبسط فيها ؛ فاختار الرموز والالغاز ، قصدا منه ، لتدوين علومه وحكمته ، على السبيل الذي لا يطّلع عليه الّا المستحقّون لها ، والمستوجبون للإحاطة بها ، طلبا وبحثا وتنقيرا واجتهادا . واما ارسطوطاليس ، فكان مذهبه الايضاح ، والتدوين ، والترتيب ، والتبليغ ، والكشف ، والبيان ، واستيفاء كل ما يجد اليه السبيل من ذلك . وهذان سبيلان ، على ظاهر الامر ، متباينان . غير أن الباحث عن علوم ارسطوطاليس ، والدارس ، لكتبه ، والمواظب عليها ، لا يخفى عليه مذهبه في وجوه الاغلاق والتعمية والتعقيد ، مع ما يظهره من قصد البيان والايضاح . من ذلك ما يوجد في أقاويله من حذف المقدّمة الضرورية من كثير من القياسات الطبيعية والإلهية والخلقية التي أوردها ؛ مما دلّ على مواضعها المفسّرون لها . ومن ذلك حذف كثير من النتائج ، وحذف الواحد من كل زوجين ، والاقتصار على الواحد منهما ؛ مثل

--> ( 32 ) « ب » ناقص [ وتوسع اخلاق ] . ( 33 ) « ا » وذهاب ؛ « ب » والذهاب . ( 34 ) « ا » وتعسر ؛ « ب » وتفسير . ( 35 ) « ا » استغزر ؛ « ب » استقر .